شارل ديدييه
52
رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر
ولكنني أفضل القانون الفرنسي الذي يحظر التجارة على قناصلها ؛ حفاظا على كرامتهم ، وإن كانوا يخسرون ماديا . لقد اكتسب موقع السويس بعض الأهمية لدى القنصل البريطاني منذ أن أصبحت شركة بريد الهند La malle des Indes تمرّ بهذا الطريق مرتين في الشهر ؛ إذ أصبحت سفن بومباي وكلكتا تنزل في السويس الركاب الذين يذهبون إلى الإسكندرية ليركبوا السفينة إلى بريطانيا وبالعكس . ويحدث هذا في كل خمسة عشر يوما نشاطا ينتج عن توفير الخدمات لمئتين أو ثلاث مئة شخص يزيدون أو ينقصون عن ذلك بقليل ؛ مما يعني أن هناك متوسطا سنويا يبلغ ستة إلى سبعة آلاف راكب . ينزل هذا الجمع الموسمي من مسافري العبور في مصر ، وكأنهم يريدون ابتلاعها ، شأنهم شأن جراد موسى « 1 » ؛ فأولئك الذين يصلون من بريطانيا يكادون يكونون جميعا من الشباب المشاغبين ، ومن الفتيات البيض المتوردات اللواتي يأتين إلى المستعمرات الهندية للبحث عن أولئك الذين لهم مكانة إدارية أو تجارية ليتخذن منهم أزواجا / 27 / . أمّا في العودة فالمشهد يتغير ، فالشباب أصبحوا رجالا سمرا ، وقد شاخوا قبل سن الشيخوخة ، والفتيات أصبحن أمهات أو جدات . لقد أقيم في السويس على شاطىء البحر ، فندق بريطاني واسع مخصص لإسكان القادمين وإطعامهم وسقايتهم ، وليس ذلك بيسير ، بسبب نهم القادمين الجدد ، وفقر السوق بالبضائع . حينئذ تصبح المدينة ضحية غزو أوروبي حقيقي . أما بقية العام فهي كئيبة ساكنة . أمّا في هذه الأيام ، ففيها حركة مفتعلة ، تكاد تكون محمومة ، وليس لها من نتائج إلا أنها تجعل السكون عندما يعود أكثر عمقا ، ثم تعود إلى حالة الخمود في اليوم التالي . ولما رفضنا النزول في محطة الطريق ، ولم نرض بالنزول في الفندق البريطاني المريح فقد
--> ( 1 ) الجراد الذي أرسله اللّه على آل فرعون ، كما في قوله تعالى ( الأعراف ، 133 ) : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) .